الشيخ محمد هادي معرفة

353

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ويبدو أنّ هذا الفضاء الواسع الأرجاء - بما فيه من أنجم زاهرة وكواكب مضيئة لامعة - هي السماء الأولى الدنيا ، ومن ورائها أفضيةٌ ستٌّ في أبعادٍ مترامية ، هي مليئة بالحياة لا يعلم بها سوى صانعها الحكيم . « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . « 1 » والعقل لايفسح المجال لإنكار مالم يبلغه العلم ، وهو في بدء مراحله الآخذة إلى الكمال . نعم ، يزداد العلم يقينا - كلّما رصد ظاهرة كونية - أنّ ما بلغه ضئيل جدّا بالنسبة إلى ما لم يبلغه ، وتزداد ضآلةً كلّما تقدّم إلى الأمام . حيث عظمة فسحة الكون تزداد ابّهةً وكبرياءا كلّما كُشف عن سرٍّ من أسرار الوجود وربما إلى غير نهاية ، لاسيّما والكون في اتّساع مطّرد : « وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ » . « 2 » هذا وقد حاول بعضهم - في تكلّفٍ ظاهر - التطبيق مع ما بلغه العلم قديما وفي الجديد من غير ضرورة تدعو إلى ذلك . ولعلّ الأناة ، حتّى يأتي يوم يساعد التوفيق على حلّ هذا المجهول من غير تكلّفٍ ، كانت أفضل . يقول سيد قطب : لا ضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على ما يصل إليه علمنا ، لأنّ علمنا لا يحيط بالكون حتّى نقول على وجه التحقيق : هذا ما يريده القرآن . ولن يصحّ أن نقول هكذا إلّا يوم يعلم الإنسان تركيب الكون كلّه علما يقينيّا ، وهيهات . . . « 3 » وإليك بعض محاولات القوم : حاول بعض القدامى « 4 » تطبيق التعبير الوارد في القرآن على فرضيّة بطلميوس لهيئة الأفلاك التي هي مدارات الكواكب فيما حسبه حول الأرض . « 5 » ولكن من غير جدوى . لأنّ الأفلاك في مزعومته تسعة ، ومن ثَمَّ أضافوا على

--> ( 1 ) - الإسراء 85 : 17 . ( 2 ) - الذاريات 47 : 51 . ( 3 ) - في ظلال القرآن ، ج 28 ، ص 152 . ( 4 ) - وقد عارضهم أبو الحسن الرّماني 296 - 384 قائلًا : السماوات غير الأفلاك ، لأنّ الأفلاك تتحرّك وتدور - حسب مفروضهم - وأمّا السماوات فلا تتحرّك ولاتدور . ( التبيان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 127 ) . ( 5 ) - زعموا أنّ الأرض في مركز العالم ، وأنّ القمر وعطارد والزهرة والشمس والمرّيخ والمشتري وزُحل سيّارات حولها ، في مدارات هي أفلاك متراكبة بعضها فوق بعض بنفس الترتيب . وكلّ واحدٍ منها في فلكٍ دائر حول الأرض من الغرب إلى الشرق في حركةٍ معاكسةٍ لحركتها اليومية من الشرق إلى الغرب على أثر تحريك الفلك التاسع ، المسمّى عندهم بفلك الأفلاك أو بالفلك الأطلس ، لعدم وجود نجم فيه وأمّا النجوم الثوابت فهي مركوزة في الفلك الثامن . فهذه تسعة أفلاك محيطة بالأرض بعضها فوق بعض . وهكذا جاء في إنجيل برنابا من كلام المسيح عليه السلام : أنّ السماوات تسع ، فيها السيّارات ، وتبعد إحداها عن الأخرى مسيرة خمسمائة عام . ولمّا ترجمت فلسفة اليونان إلى العربية ، ودرسها علماء الإسلام وثقوا بأنّ الأفلاك تسعة ، وقال بعضهم : هي سبع سماوات ، والكرسي فلك الثوابت ، والعرش هو الفلك المحيط . والغريب أنّ مثل محيي الدين ابن‌عربي اغترّ بهذه الغريبة وحسبها حقيقة وبنى عليها معارفه الإشراقية فيما زعم . راجع : الفتوحات المكية ، الباب 371 والفصل الثالث منه ، ج 3 ، ص 416 و 433 . وكذا الفصّ الإدريسى من فصوص الحكم ، ج 1 ، ص 75 . وهكذا شيخنا العلّامة بهاء الدين العاملي في كتابه تشريح الأفلاك ، وهو عجيب ! ولقد أعجبني كلام أبيالحسن علي بن‌عيسى الرّمّاني المعتزلي في تفسير الآية ، حيث أنكر إرادة الأفلاك البطلميوسيّة من السماوات السبع في القرآن ، محتجّا بأنّه تفسير يخالف ظاهر النصّ . راجع : التبيان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 127 .